
تتداول الأوساط السياسية معلومات عن تحرك أميركي لوضع تصور لترتيبات أمنية جديدة في جنوب لبنان، يتضمن احتمال تسيير دوريات مشتركة بين الجيشين الإسرائيلي واللبناني في المنطقة المعروفة بـ«الخط الأصفر»، بالتزامن مع الاستعداد لانتهاء مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل».
وبحسب معطيات متداولة بشأن المحادثات العسكرية والسياسية، تستند الخطة إلى تصور أعده رئيس لجنة الإشراف على وقف الأعمال العدائية، الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد، ويهدف إلى منع نشوء فراغ أمني بعد انتهاء مهمة القوات الدولية. غير أن تفاصيل المقترح وحدوده الجغرافية وآليات تنفيذه لم تتضح بعد، كما لم يتأكد ما إذا كان قد تحول إلى مبادرة رسمية عُرضت على الجانب اللبناني.
ويثير هذا التصور تساؤلات بشأن طبيعة الدور الإسرائيلي في مراقبة المناطق الحدودية، وما إذا كانت الترتيبات الجديدة ستقتصر على إجراءات انتقالية أم ستؤدي إلى تغييرات طويلة الأمد في الواقع الأمني جنوب لبنان.
من تامبا إلى «الخط الأصفر»
تأتي المعلومات المتداولة امتدادًا لمقترحات سابقة تحدثت عن تشكيل لجنة عسكرية دولية للتحقق من الإجراءات التي يتخذها الجيش اللبناني بشأن سلاح حزب الله.
لكن التصور الأحدث، وفق المعطيات المتاحة، يذهب أبعد من آليات التنسيق والتحقق التقليدية، إذ يتحدث عن تقليص الوجود العسكري الدولي والانتقال إلى ترتيبات ثنائية تشمل دوريات مشتركة.
ولا تزال طبيعة هذه الدوريات وصلاحياتها وآلية الإشراف عليها غير واضحة، كما لا تتوافر معلومات مؤكدة بشأن موافقة لبنان على هذا الخيار أو تقديمه رسميًا إلى الوفد اللبناني.
وتكتسب تسمية «الخط الأصفر» أهمية في هذا السياق، في ظل المخاوف من أن يؤدي تثبيت مناطق انتشار عسكري إسرائيلي إلى تحويل ترتيبات يفترض أن تكون مؤقتة إلى واقع ميداني يفرض قيودًا على حركة الجيش اللبناني والسكان.
تحفظات لبنانية على التنسيق المباشر
يمثل احتمال تسيير دوريات مشتركة تحديًا سياسيًا وأمنيًا، في ضوء التحفظات اللبنانية على تحويل الجيش إلى شريك مباشر للجيش الإسرائيلي في العمليات الميدانية داخل الأراضي اللبنانية.
وتشير معلومات سابقة إلى أن واشنطن طرحت أفكارًا بشأن تعزيز التنسيق المباشر بين الجيشين، إلا أن الجانب اللبناني تمسك، وفق تلك المعلومات، بوجود وسيط أميركي وطرف ثالث يتولى التحقق من الالتزامات.
ويعكس هذا الموقف حساسية أي انتقال من آلية رقابة دولية إلى ترتيبات ثنائية، خصوصًا في ظل استمرار الخلاف بشأن الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات وضمان احترام السيادة اللبنانية.
وتتمسك بيروت، وفق المواقف المعلنة في هذا الملف، بأن ترتبط الترتيبات الأمنية بانسحاب القوات الإسرائيلية ووقف الهجمات، وألا تقتصر على مراقبة الإجراءات التي يتخذها الجيش اللبناني في المناطق الحدودية.
مستقبل «اليونيفيل» يفتح باب البدائل
تأتي هذه التطورات مع اقتراب الموعد المحدد لانتهاء مهمة «اليونيفيل» في 31 كانون الأول المقبل، بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2790، الذي ينص على انسحاب منظم للقوة خلال الفترة اللاحقة.
ويطرح انتهاء المهمة تساؤلات بشأن الجهة التي ستتولى مراقبة الوضع الميداني والتحقق من الالتزامات ومنع التصعيد، في وقت تسعى فيه السلطات اللبنانية إلى الحفاظ على دور دولي يساهم في رصد الانتهاكات واحتواء التوتر.
وفي المقابل، تعارض إسرائيل نشر قوة دولية جديدة، بينما لا يبدو أن المقترحات الأوروبية المتعلقة بتدريب القوات اللبنانية توفر بديلًا ميدانيًا مماثلًا للمهام التي كانت تضطلع بها «اليونيفيل».
وتزيد هذه المعادلة أهمية البحث عن آلية انتقالية واضحة، تحدد مسؤوليات الأطراف وصلاحياتها، وتمنع نشوء فراغ أمني أو فرض ترتيبات من جانب واحد.
مخاوف من تثبيت واقع أمني طويل الأمد
تثير احتمالات إعادة الانتشار العسكري الإسرائيلي في مناطق جنوب لبنان مخاوف من تحول الوجود الميداني إلى وضع دائم، بما قد ينعكس على حركة السكان وقدرة الجيش اللبناني على ممارسة مهامه.
كما تطرح التطورات تساؤلات بشأن احتمال اتساع العمليات الإسرائيلية إلى مناطق إضافية، في ظل استمرار الخلاف حول انتشار القوات المسلحة وسلاح حزب الله وطبيعة الضمانات المطلوبة لمنع تجدد المواجهات.
وفي حال غياب آلية دولية واضحة للتحقق، فقد تصبح أي ترتيبات مشتركة موضع خلاف بشأن السيادة وحدود الصلاحيات والمسؤولية عن مراقبة الالتزامات.
ولا تزال المعلومات المتاحة غير كافية للجزم بأن واشنطن اعتمدت خطة نهائية للدوريات المشتركة، أو بأن الأطراف المعنية وافقت عليها.
وبين الحاجة إلى منع الفراغ الأمني والتحفظات اللبنانية على التنسيق المباشر مع إسرائيل، يبقى مستقبل الترتيبات في جنوب لبنان مرتبطًا بمضمون المقترح الأميركي، ومدى توافقه مع السيادة اللبنانية ومتطلبات الانسحاب ووقف الاعتداءات، فضلًا عن طبيعة الدور الذي سيحل محل «اليونيفيل».




